محمد هادي معرفة
18
التمهيد في علوم القرآن
مثلا : لمّا كان أرفع الموجودات في الحس هو النور ضرب به المثال ، وبهذا النحو من التصور أمكن للجمهور أن يفهموا من الموجودات فيما وراء الحس ، مما مثل لهم بأمور متخيلة محسوسة . فمتى أخذ الشرع في أوصاف اللّه تعالى على ظاهرها ، لم تعرض للجمهور شك في ذلك . فإذا قيل : اللّه نور . وأنّ له حجابا من نور ، وأنّ المؤمنين يرونه في الآخرة كالشمس في رائعة النهار ، لم تعرض للجمهور شبهة في حقيقة هذه التعابير . وكذلك العلماء لا تعرض لهم شبهة في ذلك ، حيث قد تبرهن عندهم أنّ تلك الحالة هي مزيد علم ويقين . لكن إذا ما صرّح بذلك للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلّها وربّما كفروا بما صرّح لهم . لأنّ الجمهور يرون من كل موجود هو المتخيل المحسوس ، وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم عندهم . فإذا قيل : إنّ هناك موجودا ليس بجسم ، ولا فيه شيء مما يرونه لازم الجسمية ، ارتفع عنهم التخيّل ، وصار عندهم من قبيل المعدوم . ولا سيّما إذا قيل لهم : إنّه لا خارج العالم ولا داخله ، ولا فوق ولا أسفل . ومن ثمّ لم يصرّح الشرع بأنّه ليس بجسم ، وانما اكتفى بقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 1 » . وقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ « 2 » . قال : وأنت إذا تأمّلت الشرع وجدته - مع أنّه قد ضرب للجمهور في هذه المعاني المثالات التي لم يمكنهم تصوّرها إلّا بذلك - قد نبّه العلماء على تلك المعاني بحقائقها . فيجب أن يوقف عند حدّ الشرع في نهج التعليم الذي خص به صنفا صنفا من الناس ، وأن لا يخلط التعليمان فتفسد الحكمة الشرعية النبويّة . ولذلك قال : صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل
--> ( 1 ) الشورى : 11 . ( 2 ) الأنعام : 103 .